حيدر حب الله
52
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
كما أخبر القرآن الكريم - : ( . . ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . . ) ( الزمر : 3 ) ، فالله هو الغاية ، والصنم واسطة للوصول إلى الغاية ، وقد كانت العرب في الجاهليّة تقول في تلبية الحجّ جملتها المشهورة : ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك ) ، فالصنم شريك الله لكنّه مملوك له ، وكلّ سلطان الصنم تحت سلطان الله تعالى . وعلى هذا الأساس ، ذهب بعض الذين قالوا بشركيّة التوسّل إلى الاعتقاد بأنّ كلّ مَعْلَم يمارَس فيه الشرك فهو معلمٌ شركيّ ، فالأصنام مَعْلَمٌ شركيّ ؛ لأنّ العرب مارست الشرك من خلال العلاقة معها ، وإلا فهي أحجار ليست إلا ، ومن هنا يطبّقون القانون نفسه على المراقد والمزارات التي للأنبياء والأئمّة والأولياء ، فيرون وجوب هدمها من باب وجوب هدم معالم الشرك ، كما فعل النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في مكّة المكرّمة بعد الفتح ، بهدمه معالم الشرك في الكعبة ، ويعتقدون بذلك أنّهم يمارسون فعلًا شبيهاً بالفعل النبويّ . من هنا ، تبرز أهميّة الدراسة الكلاميّة المتعلّقة بمفهوم التوحيد والشرك في البُعد العملي ( ودراسة تاريخ الشرك ومفهومه في الحياة العربية قبل الإسلام ) لا في البعد النظري الاعتقادي فقط ، وهذا من الأخطاء الحواريّة الكبيرة التي رأيت أنّها وقعت بين بعض أنصار التوسّل وبعض خصومهم ، فبعض خصوم التوسّل يقصد من الشرك هذا المعنى ، فيما ينفي أنصار التوسّل أن يكون التوسّل شركاً بمعنى الاعتقاد باستقلاليّة الواسطة في التأثير ، فهم بين شرك عملي وشرك نظري ، فلابدّ من تحقيق هذا الأمر بهذه الطريقة لاستجلاء الصورة أكثر . وهنا نجد أنّ أنصار التوسّل قد يطرحون تمييزات متعدّدة بين سلوكهم والسلوك العربي الشركي ، ويرون أنّ تمثيل تجربتهم بتجربة العرب ظلمٌ كبير ،